حسن الأمين

140

مستدركات أعيان الشيعة

تأويل ؟ ! فهل في الدنيا من يصدق أن الشيخ النوري يمكن أن يفعل ذلك ، إذا استثنينا العامة العمياء التي تنعق مع كل ناعق ؟ ثم من تزوج المرأة المطلقة ؟ لقد تزوجها رجل دين يشغل منصبا دينيا رفيعا هو إمامة الجمعة في طهران ! . . ونحن على بعد الزمان والمكان نحكم بان طلاقا يجريه « الشيخ فضل الله نوري » ويتزوج المطلقة به إمام جمعة طهران السيد « أبو القاسم » هو طلاق وزواج فوق الشبهات . ثم إنه مهما كان رأينا سيئا في « مظفر الدين شاه » وفي ابنه « محمد علي ميرزا » فإننا لا يمكن أن نعتقد بان الأول يقبل بان تعيش ابنته ولا الثاني بان تعيش أخته زانية طول حياتها . . في أوائل حركة المطالبة بالنظام النيابي الدستوري كان الشيخ « فضل الله نوري » رفيق السيد عبد الله البهبهاني ( 1 ) في العمل على إقامة هذا النظام في إيران . ولكن سبق أن تخالفا يوم أعطى « ناصر الدين شاه » شركة إنكليزية امتياز حصر التبغ والتنباك في إيران وأفتى الميرزا « حسن الشيرازي » تلك الفتوى الشهيرة بتحريم التدخين وأدت فتواه إلى إلغاء الامتياز . فقد خالف السيد « عبد الله البهبهاني » فتوى الميرزا الشيرازي وأيد الامتياز وظل يدخن علنا . فلما سئل عن ذلك أجاب : أنا أيضا مجتهد ولي رأيي . أما الشيخ « فضل الله نوري » فقد أيد فتوى الميرزا الشيرازي وحرم التدخين وشارك معارضي الامتياز في المقاومة . كان الشيخ « فضل الله نوري » أحد ثلاثة من المجتهدين كانوا من كبار القادة لحركة المطالبة بالنظام النيابي في إيران . والآخران هما السيد « عبد الله البهبهاني » والسيد « محمد الطباطبائي » . إلا أن الشيخ « فضل الله » كان أرجح منهما بمراتب في العلم والمعرفة . ويعد من أركان هذا النظام ومؤسسيه . وقد أدى خدمات جليلة في النهضة التي انتهت إلى صدور مرسوم بإقامته في 14 جمادى الآخرة سنة 1324 هفي عهد « مظفر الدين شاه » . ولكن الشيخ « فضل الله » انفصل عن رفيقيه في سنة 1325 ه‍ ، في عهد « محمد علي شاه » ، واعتزلها في ناحية « شاه عبد العظيم » ( الري ) وانحاز إلى معارضي المجلس النيابي ، وأعد هناك مطبعة وأصدر جريدة واجتمع حوله جماعة كبيرة من الطلاب وغيرهم وأكثرية الخطباء والمنبريين ، وأصبح عائقا كبيرا في وجه أنصار هذا المجلس . ويعزو بعضهم هذا الانشقاق إلى أن الشيخ « فضل الله » حسد صاحبيه على أن نفوذهما فاق نفوذه ، وهو الأعلم والأفضل ، وهما دونه علما وفضلا . ويدعي آخرون أنه تناول رشوة من الشاه . ويذكرون أن الحكومة أرسلت ، قبيل تحصنه في « شاه عبد العظيم » قطعة عسكرية إلى هناك ظاهرها المحافظة على الأمن العام وحقيقتها تهيئة محيط آمن له ولجماعته . ويذكرون أنه زور هو واثنان من أعوانه العلماء وثائق تحتوي على عبارات كفرية ومخالفات للشرع الإسلامي ونسبوها إلى لجان أذربيجان والقفقاس الشعبية ( 2 ) لتشويه سمعة هذه اللجان ، وزوروا كذلك رسائل على لسان رؤساء البابيين فيها تمجيد وثناء على مشاهير أعضاء المجلس النيابي ليضعوهم في موضع الشبهة بأنهم على صلة بالبابيين . ويذكرون أن السيد « عبد الله البهبهاني » والسيد « محمد الطباطبائي » بعثا برسالة إلى النجف شكوا فيها الشيخ « فضل الله نوري » إلى المرجع الديني « الآخوند الملا محمد كاظم الخراساني » والمرجعين الآخرين « الآخوند الملا عبد الله المازندراني » و « الميرزا حسين ابن الميرزا خليل الطهراني » ، وكانوا ثلاثتهم من مؤيدي النظام الدستوري النيابي . فجاء الجواب منهم برقية بان الشيخ فضل الله مفسد يحرم الرجوع إليه . ولكن هذه التهم والاستنتاجات والتحليلات مردودة كلها . فالشيخ « فضل الله نوري » ظل ثابتا على رأيه في وجوب قيام النظام النيابي إلى آخر لحظة من حياته . والذي نهض إلى معارضته إنما هو انحراف المجلس عن غايته النبيلة وصيرورته أداة تخريب بيد الإنكليز وعملائهم وأهل البدع والهراطقة والاباحيين . وكان أهم مطالبه هو إضافة بعض المواد إلى القانون الأساسي لحفظ المجلس من الانحراف . وإذ امتنعت الصحف - وكلها كانت مخالفة له - عن نشر بياناته ودأبت على تشويه مقاصده ، وأصم المسيطرون على المجلس آذانهم عن سماع نداءاته وأهملوا مطالبه وتعذر عليه إيصال صوته إلى الرأي العام ودفع الإشاعات الكاذبة التي كان ينشرها خصومه عنه ، فقد اضطر إلى التحصن في ناحية « شاه عبد العظيم » قريبا من طهران وإصدار نشرة يجلو بها الحقيقة ويوصل صوته إلى الرأي العام . وهذا بعض التفصيل : في 22 جمادى الآخرة سنة 1321 عزل « مظفر الدين شاه » الميرزا « علي أصغر خان أمين السلطان » ( 3 ) من منصب الصدر الأعظم رضوخا منه لاصرار السفارة الإنكليزية على طلب عزله . وفي جمادى الآخرة سنة 1322 . نصب « سلطان عبد المجيد ميرزا عين الدولة » ، وهو من الأمراء القاجاريين ، صدرا أعظم في مكانه . وكان هذا على قدر كبير من الصلف والكبرياء وحب الاستبداد وسوء التدبير . وكان الفساد السابق لا ينفك يتمادى حتى بلغ في عهده غاية بعيدة من شيوع الرشوة والظلم والفقر . وأبعد « عين الدولة » أنصار سلفه « أمين السلطان » وأصدقاءه الذين كانوا من أصحاب النفوذ في عهده ، ومنهم السيد « عبد الله البهبهاني » ، فقد كان من أقرب المقربين إلى « أمين السلطان » ، وكان يحول إليه الدعاوي المتعلقة بالدولة ليفصل فيها . ولكن « عين الدولة » أهمله وأوقف إرسال الدعاوي إليه ، وأخذ يرد طلباته وتوسطاته بجفاء واحتقار حتى قطعه عن كل نفوذ في شؤون الدولة . وصرف « عين الدولة » عنايته إلى من كانوا يخالفون « أمين السلطان » . فإذا احتاج إلى مراجعة أحد من رجال الدين في أمر من الأمور رجع إلى الشيخ « فضل الله نوري » إذ كان أعلم من البهبهاني وسبق أن كان مخالفا ل « أمين السلطان » . وكان « عين الدولة » يرجع أيضا إلى عالم آخر هو السيد « علي أكبر تفرشي » أحد كبار رجال الدين . وهكذا وقعت الخصومة بين السيد « عبد الله البهبهاني » و « عين

--> ( 1 ) مجتهد من تلاميذ الميرزا « حسن الشيرازي » أيضا . كان من كبار زعماء المطالبين بالنظام النيابي . وأصبح نائبا في أول مجلس نيابي انتخب بعد إقرار هذا النظام . ( 2 ) في أثناء حركة المطالبة بالنظام الدستوري النيابي وبعد إقامته تألفت في مختلف نواحي إيران لجان باسم « اللجان الشعبية » بعنوان العمل على إقامة هذا النظام والمحافظة عليه . ( 3 ) راجع ترجمته .